السيد نعمة الله الجزائري

35

عقود المرجان في تفسير القرآن

« لا أَقُولُ » ؛ أي : لا أدّعي ما يستبعد في العقول أن يكون لبشر من ملك خزائن اللّه - وهي قسمة بين الخلق - وأرزاقه وعلم الغيب وأنّي من الملائكة الذين هم أشرف جنس خلق اللّه وأفضله . أي : لم أدّع إلهيّة ولا ملكيّة - لأنّه ليس بعد الإلهيّة منزلة أرفع من منزلة الملائكة - حتّى تستبعدوا دعواي وتستنكرونها . وإنّما أدّعي ما كان مثله لكثير من البشر وهو النبوّة . « الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ » . مثل للضالّ والمهتدي . ويجوز أن يكون مثلا لمن اتّبع ما يوحى إليه ومن لم يتّبع . « 1 » أو مثل للعالم والجاهل أو مدّعي المستحيل كالألوهيّة أو الملكيّة ومدّعي المستقيم كالنبوّة . « 2 » « خَزائِنُ اللَّهِ » : مقدوراته وخزائن رزقه . « الْغَيْبَ » : ما لم يوح إليّ ولم ينصب عليه دليل . وهو من جملة المقول . « الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ » . « 3 » « وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ » ؛ أي : لا أقدر على ما يقدر عليه الملك . وقد استدلّ بها على أنّ الملائكة أفضل من الأنبياء . وهذا بعيد . لأنّ الفضل الذي هو كثرة الثواب لا معنى له هاهنا وإنّما المراد : لا أقول إنّي ملك فأشاهد من أمر اللّه وغيبه عن العباد ما تشاهده الملائكة . « إِنْ أَتَّبِعُ » . يريد : ما أخبركم إلّا بما أنزل اللّه إليّ . وقال الزجّاج : ما أنبأتكم به من غيب فيما مضى وفيما سيكون ، فهو بوحي من اللّه . ثمّ أمره فقال : يا محمّد « قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ » . « 4 » [ 51 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 51 ] وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 51 ) قال الصادق عليه السّلام : أنذر بالقرآن من يرجون الوصول إلى ربّهم بترغيبهم فيما عنده . فإنّ القرآن شافع مشفّع . « 5 »

--> ( 1 ) - الكشّاف 2 / 25 - 26 . ( 2 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 302 . ( 3 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 302 . ( 4 ) - مجمع البيان 4 / 470 . ( 5 ) - مجمع البيان 4 / 471 .